كيف يُعيد القطاع غير الربحي تعريف كفاءة منظومة الحج؟
في لقاء جمع معالي وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق الربيعة في منزل رجل الأعمال الأستاذ عماد المهيدب، وبحضور أكثر من ثلاثين من كبار رجال الأعمال والمتخصصين في القطاع غير الربحي، وجدتُ نفسي أمام نقاش يتجاوز الطرح التقليدي المعتاد حول العمل التقليدي المرتبطة بالحج، إلى مساحة أعمق تتعلق بإعادة تعريف دور القطاع داخل واحدة من أكثر المنظومات التشغيلية تعقيدًا في العالم.
وما حفّزني شخصيًا لكتابة هذا المقال ما طُرح من أفكار وتجارب، والطريقة التي جرى بها الحديث عن "مؤسسة نسك الإنسانية" التابعة لوزارة الحج والعمرة، واعتبارها نموذجًا جديدًا يفكر بمنطق التكامل والكفاءة والأثر المستدام، وخلال اللقاء، استعرضت المؤسسة رؤيتها كمنظمة غير ربحية تسعى إلى التنسيق والتكامل لخدمة ضيوف الرحمن، عبر تطوير مبادرات نوعية تُسهم في تحسين وإثراء تجربة الحجاج والمعتمرين، وتعزيز منظومة الخدمات اللوجستية والإرشادية والرقمية، بما يواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030، وكان اللافت بالنسبة لي أن النقاش تمحور حول القيمة التشغيلية والإنسانية التي يمكن أن يصنعها القطاع غير الربحي بكونها جزءًا من هندسة الرحلة نفسها؛ من تخفيف الضغط على المنظومة، إلى تحسين التدفقات، ورفع جودة التجربة الإنسانية داخل بيئة تتطلب أعلى درجات التنسيق والدقة والكفاءة.
من المهم فهم القيمة الاقتصادية للقطاع غير الربحي ليس كتدفقات مالية مباشرة، وإنما أثرًا تراكميًا على كفاءة المنظومة، فكل تدخل ناجح ينعكس في تقليل زمن الخدمة، وخفض احتمالات الخطأ، وتحسين استخدام الموارد، وهو ما يُترجم فعليًا إلى تقليل تكاليف التشغيل على النظام ككل، فالقطاع لا يُنتج "إيرادًا” بالمعنى التقليدي، لكنه يُنتج وفورات، ويعيد توزيع الجهد، ويرفع إنتاجية الموارد القائمة، وهو ما يجعل أثره الاقتصادي غير مباشر، لكنه أكثر عمقًا واستدامة.
ومن هذا المنظور، يصبح من الممكن إعادة قراءة مساهمة القطاع غير الربحي من خلال منطق العائد على التدخل، فكل ساعة تطوعية موجّهة بكفاءة تمثل كلفة تشغيلية تم تجنبها، وكل سلوك تم تعديله يقلل من الضغط على البنية التشغيلية، وكل قرار تم تسريعه ينعكس على استقرار النظام، وتقترب هذه المعادلة من مفهوم "العائد الاجتماعي على الاستثمار"، لكنها في بيئة مثل الحج تأخذ بُعدًا تشغيليًا أدق، ما يجعل قيمته الاقتصادية جزءًا من بنية الكفاءة، لا مجرد مخرجاتها.
من هنا، يتغير فهمنا لما يمكن تسميته بـ "القيمة غير المرئية" المُنتجة من القطاع غير الربحي، لذا، حين يُوظف المتطوع بشكل صحيح، فهو يضيف خدمة نوعية، ويخفف عبئًا، ويغلق فجوة، ويمنع خطأً كان يمكن أن يتضخم لو تُرك دون تدخل، ولم يكن الوصول إلى هذا المستوى من التأثير ممكنًا في ظل النموذج التقليدي، الذي كان يعتمد على الحشد العاطفي والاستجابة الظرفية، ورغم أهمية هذا النموذج في المراحل الأولى، إلا أنه لم يعد كافيًا لإدارة منظومة بهذا الحجم، حيث نشهد اليوم تحولًا نوعيًا نحو نموذج مختلف، يقوم على الجاهزية المهنية أكثر من الحضور الكمي.
في النموذج الجديد، يتم التعامل مع المتطوع كوحدة تشغيلية داخل بيئة معقدة، عبر تدريبه مسبقًا، وتحديد دوره بدقة، وربط أدائه بمؤشرات واضحة أثناء التنفيذ، ليُصبح جزءًا من هندسة القدرات التشغيلية، وهو ما يُغيّر طبيعة العلاقة بين القطاع غير الربحي والمنظومة ككل، ومن زاوية أعمق، يمكن فهم هذا التحول باعتباره انتقالًا إلى "رفع الكفاءة"، ففي الأنظمة المعقدة، لا يكون الحل دائمًا في زيادة عدد العاملين، وإنما في تحسين كيفية استخدامهم، وهنا تحديدًا، يبرز دور القطاع الثالث في إعادة توزيع الجهد، وتوجيهه نحو النقاط الأكثر أهمية.
رغم وضوح ملامح هذا التحول، أنه لا يزال في طور التشكل، ويواجه تحديات حقيقية، أولها الفجوة بين القدرة والمعرفة، وصحيح أن القطاع غير الربحي يمتلك فهمًا عميقًا لسلوك الحجيج واحتياجاتهم، لكنه لا يمتلك دائمًا الأدوات الكافية لتحويل هذا الفهم إلى نماذج تشغيل قابلة للتوسع، وفي المقابل، تمتلك جهات أخرى القدرة التشغيلية، لكنها لا تملك قراءة التفاصيل الدقيقة للسلوك الإنساني داخل هذه البيئة.
التحدي الثاني يتعلق بقياس الأداء، فالأدوات التقليدية لا تزال تركز على حصر الأرقام، فتُرصد على سبيل المثال عدد المتطوعين والمستفيدين، وساعات العمل، لكن يغيب قياس التأثير الحقيقي على سلوك الحجيج، واستقرار المنظومة، وهذا يخلق فجوة بين ما يتم تسجيله، وما يحدث فعليًا.
أما التحدي الثالث، فيرتبط بالتكامل المؤسسي، وحتى مع وجود رغبة التنسيق، لا تزال بعض الجهود تعمل بشكل متوازٍ، وهذا يُقلل من كفاءة التوزيع، ويُفقد المنظومة جزءًا من قدرتها على الاستفادة من هذا الرأس المال البشري بشكل أمثل، ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن هذه التحديات بدأت تُواجه بأدوات أكثر نضجًا، والجميل أن هناك إدراكًا متزايدًا بوجوب إدارة العمل غير الربحي في الحج، وفق قواعد واضحة، ومعايير أداء، ونماذج تشغيل قابلة للتكرار.
وفي هذا السياق، إن ما يحدث اليوم يتعلق بتطوير دور القطاع غير الربحي في منظومة خدمة ضيوف الرحمن، وإعادة تعريف كيفية إدارة المنظومات عالية الكثافة، فالحج كما تُسير مناسكه من خلال البنية التحتية أو الموارد المادية، تُسير أيضًا عبر القدرة على تنسيق البشر داخل هذه البيئة، وتوجيه سلوكهم، وتحويلهم إلى جزء من الحل.
وفي نهاية المطاف، يعتمد نجاح هذا التحول عبر عدة عناصر محورية، منها، نوعية وعدد المتطوعين الذين شاركوا، وحجم خدمات الجمعيات المنظمات الأهلية من جمعيات ومؤسسات وأوقاف، المُساهمة في تقديم الخدمات، فضلًا عن مدى قدرة المنظومة على العمل بكفاءة أعلى، تحت ضغط أكبر، وبأخطاء أقل، وحين نصل لهذه المرحلة، سنكون انتقلنا فعليًا من فهم العمل غير الربحي باعتباره جزءًا من بيئة منظومة الحج والعمرة.
تعليقات
إرسال تعليق