خارطة تحول الاقتصاد غير الربحي في المملكة
من المبادرات المجتمعية إلى الشراكات التنموية المؤثرة
تسعى الورقة المُقدمة إلى المساهمة المنهجية في تقديم رؤية تحليلية وتنفيذية لتحوّل القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية من نموذج العطاء التقليدي إلى نموذج الاقتصاد غير الربحي القائم على الأثر والاستدامة والمشاركة في التنمية الوطنية، بما يواكب توجهات رؤية السعودية 2030، خصوصًا بعد تنفيذ مرحلتها للسنوات المُقبلة (2026-2030).
الإشكالية التي يسعى الكاتب إلى بلورتها ومُعالجتها، هو أنه رغم التطورات التنظيمية والدعم الحكومي، لا يزال القطاع غير الربحي في المملكة يعاني فجوات هيكلية تؤثر في قدرته على التمكين الاقتصادي والاجتماعي، من أبرزها:
- الاعتماد المفرط على التبرعات الموسمية، مما يُبقي الجمعيات في دائرة التمويل العشوائي، ويُعرّضها لعدم الاستقرار المالي.
- ضعف النماذج الاقتصادية المستدامة، وغياب التفكير في حلول تمويلية هجينة تحقق التوازن بين الأثر الاجتماعي والعائد المالي.
- محدودية أدوات قياس الأثر والعائد الاجتماعي (SROI)القائم على البيانات لا الانطباعات.
- فجوة تنظيمية في تمكين الجمعيات من تأسيس كيانات ربحية مرنة داخلها، بسبب التردد في تحديث الأنظمة والتفسيرات الضيقة لمفهوم "غير الربحي".
- ظاهرة التكرار غير المبتكر للمبادرات، حيث تُعيد الكثير من الجمعيات إنتاج ذات المبادرات دون تطوير أو تحليل فجوات حقيقي، ما يُضعف الأثر ويهدر الموارد.
- محدودية ثقة بعض الممولين والجهات الحكومية في قدرة الجمعيات على التنفيذ باحترافية، وهو ما يؤدي إلى إحجام عن إسناد مشاريع تنموية كبرى لها.
- ضعف وعي عدد من الجمعيات الأهلية بالمُمكنات المتاحة من منصات تمويل، وصناديق دعم، وتسهيلات تشريعية لم تُستثمر بعد.
- الخلط بين دور مدير الجمعية ومدير الاستثمار، فليس كل من ينجح في إدارة البرامج والمستفيدين، يمتلك الكفاءة الفنية لبناء نموذج اقتصادي استثماري.
- استقطاب كفاءات من خارج القطاع لا تمتلك فهمًا دقيقًا لتحديات القطاع غير الربحي وفلسفته، ما ينتج فجوة في التكيّف والتشغيل والابتكار المؤسسي.
ومن هذا المنطلق، فإن الأطروحة المركزية، تحرص على أن يُعاد تعريف القطاع غير الربحي بوصفه جزءًا من المنظومة الاقتصادية الوطنية، وله مساهمة فعلية في الناتج المحلي، ويملك أدوات استثمار اجتماعي قائمة على العائد المجتمعي (SROI)، والتمويل المركّب، والحوكمة المبنية على البيانات.
وللابتعاد عن الإطار النظري أو الانطباعي، ركزت في تصميم هيكلية الورقة على تغطية محاور مهمة، ترتبط بتحديد فجوات الواقع (Gap Analysis) وتحليل التحديات التنظيمية والتمويلية والتقنية والقيادية، بشكل متعمق، مع وضع خريطة طريق استراتيجية (2026-2030) تتضمن التصنيف الاقتصادي للجمعيات، وإطلاق مؤشرات أداء وطنية، وبناء منصة موحدة لقياس الأثر.
ولمزيد من الإيضاح المنهجي، لم تُغِّفل الورقة عمل دراسة مقارنة بين اثنتين من التجارب السعودية الرائدة، كنماذج تحوّلية جزئية يمكن البناء عليها، كالمنصة الوطنية للعمل الخيري (منصة إحسان)، وجمعية ترميم للتنمية بمنطقة مكة المكرمة، فضلًا عن استعراض نماذج عالمية مرجعية في كل من: ألمانيا، وكندا، والمملكة المتحدة، كنماذج ناجحة في الاستثمار الاجتماعي، وتمكين المجتمع الأهلي.
وحددنا في سياق المعالجة المُركزة، إطارًا مقارنًا بين العمل الأهلي التقليدي والاقتصاد غير الربحي؛ لإبراز الفروقات الجوهرية في التمويل والحوكمة والابتكار، ومن المهم التأكيد، أن هذه الورقة لا تقدم فقط حلولًا تحليلية، بل تمثل خارطة عمل قابلة للتنفيذ، موجهة لصناع القرار، والممولين، وقادة الجمعيات، من أجل تأسيس قطاع ثالث سعودي متماسك، ومبتكر، ومؤثر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بأدواته ومكانته.

تعليقات
إرسال تعليق