إنتاجية "الريال غير الربحي" والاقتصاد الكُلي
لكن بينما تُظهر تقارير المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي مساهمةً عند 0.99% من الناتج المحلي في 2024، ظهرت تقديرات أخرى قدّرت الأثر بما يتجاوز 100 مليار ريال (حوالي 3,3%)؛ هذا التباين ليس تفصيلاً هامشيًا، بل يطرح سؤالًا منهجيًا يمس ثقة المستثمر وصانع السياسات: ما الذي نعدّه ضمن "اقتصاد القطاع" وما الذي نُخرجه؟ وهل نثمّن ساعات التطوّع وفق هيكل مهني؟ وهل ندخل عوائد الأوقاف وصناديقها الاستثمارية؟ الإجابة الدقيقة هنا هي أول خطوة لرفع "إنتاجية الريال غير الربحي".
إن أول رافعة اقتصادية هي تحويل التطوع إلى "قيمة مضافة قابلة للقياس"، فعند الحديث عن مليون متطوّع وأكثر، فنحن عمليًا أمام ملايين الساعات التي يمكن تحويلها إلى نتائج قابلة للقياس في الصحة والتعليم والمهارات والثقافة إذا صُمِّمت البرامج على أساس النتائج لا الأنشطة، والمعادلة الحاكمة هنا بسيطة، وهي: القيمة الاقتصادية للساعة التطوعية تساوي سعر ساعة مهنية مكافئة مضروبًا في جودة التنفيذ ونسبة الامتثال وما يتحقق من وفورات في التكاليف أو دخل مُولّد، وعندما تكون لدينا بيانات رسمية عن حجم الساعات وفرص التطوع، يصبح من المنطقي إدراج قيمة التطوع صراحةً ضمن حسابات مساهمة القطاع، وهو ما تتبناه منهجيات دولية عديدة في تقدير الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
اقتصاديًا، يقتضي رفع إنتاجية التطوّع ثلاث خطوات تشغيلية: تصنيف الساعات بحسب التخصص (طبي، تقني، تدريبي…) وربط كل فئة بسعر ساعة مرجعي، وتحويل البرامج إلى نماذج خدمة معيارية، حيث تُشترى "نتيجة" (خريج ماهر، مريض مُعاد دمجه، شاب في عمل) بدلًا من شراء ساعات عامة، وأما الخطوة الأخيرة، فهي ربط المنح بالنتائج عبر عقود دفع مشروطة تحقق وفورات على الخزينة العامة، وهذا المنطق هو جوهر أدوات تمويل النتائج مثل سندات الأثر الاجتماعي التي طبّقتها دول عدة، ويمكن تكييفها محليًا مع أولويات الرؤية.
الرافعة الثانية تتمثل في "رأس المال الصبور" الذي تمثّله الأوقاف الاستثمارية، فقد سجّلت صناديق الوقف الاستثمارية نموًا لافتًا في 2024، وتجاوز صافي أصول الصناديق المرخّصة حاجز المليار ريال، بما يعكس انتقال الوقف من وعاءٍ تقليدي إلى منصة تمويل احترافية يمكن توجيه تدفقاتها نحو مجالات ذات أثر اقتصادي واجتماعي مزدوج كالصحة الوقائية وتنمية المهارات والبحث التطبيقي والصناعات الإبداعية، ويقود ذلك إلى بناء محافظ وقفية موضوعية تُدار بمعايير استثمار وحوكمة صارمة، وتُربط منذ البداية بمؤشرات أثر قابلة للتدقيق، ما يرفع إنتاجية "الريال غير الربحي" ويقلل الهدر، ويُسرّع دورة "المنفعة العامة القابلة للقياس".
السؤال المكمل للطرح السابق، هو: كيف نُضاعف الأثر؟، الإجابة من خلال: تخصيص نسب دنيا للأدوات القائمة على النتائج ضمن سياسات الاستثمار الوقفي (مثل اتفاقيات دفع مقابل نتائج مع جمعيات ذات جاهزية تشغيلية)، ومواءمة دور الوقف مع تمويلات التنمية (كقروض وبرامج بنك التنمية الاجتماعية) لتوليد تمويل ممزوج يقلل المخاطر، ويزيد الرافعة المالية للمشاريع الاجتماعية ذات العائد.
أما الرافعة الثالثة، فتركّز على تبنّي نماذج "تمويل النتائج"، وفي مقدمتها سندات الأثر الاجتماعي، فهذه العقود ليست دينًا تقليديًا بقدر ما هي آلية تشتري بها الجهة العامة "نتيجة متحققة" بدلًا من تمويل "أنشطة"؛ إذ يموّل المستثمر التأثيريُ التنفيذ مقدمًا، وتتقاضى الجهة المنفذة مستحقاتها عند بلوغ مؤشرات محددة كرفع نسب التوظيف أو خفض الانتكاسات الصحية أو تحسين التحصيل الدراسي، وتُظهر التجربة الدولية هنا، أن هذا النموذج ينقل المخاطر التشغيلية إلى المنفذين والممولين، ويكافئ النجاح القابل للقياس، ويخفض الهدر في الإنفاق الاجتماعي، وإن تصميم نسخة سعودية تجريبية في مسارَين مثل الوقاية الصحية ومهارات العمل يمكن أن يخلق سوقًا صغيرة للأثر، ويعطي "الريال غير الربحي" إنتاجية أعلى لكل وحدة إنفاق، مع مواءمةٍ كاملة لأهداف الرؤية في توجيه الموارد إلى ما يُحدِث فارقًا ملموسًا.
السؤال الآن: لماذا هذه الروافع الثلاثة مهمة للاقتصاد الكُلي السعودي؟، لأن اقتصادنا نفسه يسير على مسار رفع وزن الأنشطة غير النفطية؛ فبيانات 2024 أظهرت أن النمو جاء مدفوعًا بالقطاع غير النفطي (+4,3% سنويًا)، وهو ما يجعل كل نقطة مئوية إضافية يحققها القطاع غير الربحي في الناتج المحلي هدفًا ذا معنى مالي كليّ، بصيغة أخرى، كل تحسّن في إنتاجية "الريال غير الربحي" ينعكس على فرص العمل، وكفاءة الإنفاق الاجتماعي، وثقة المستثمرين في أدوات الأثر.
في نهاية المطاف، حين نتحدّث عن "إنتاجية الريال غير الربحي"، فنحن لا ننتقص من القيمة القيمية للقطاع، بل نرفعها إلى مستوى السياسات العامة والقرارات الاستثمارية، وبحمد الله وبدعم قيادتنا الرشيدة – حفظها الله- قطعنا شوطًا مهمًا من حيث تجاوز أعداد المتطوعين المستهدف، ونمو الأصول الوقفية بمعايير استثمارية، ونضج تنظيمي وتخطيطي، يقوده المركز الوطني للقطاع غير الربحي، ورغم ذلك، فإن اللحظة الراهنة تتطلب مع بدء تنفيذ المرحلة الثالثة من الرؤية (2026-2030) الانتقال من "الإنفاق"، إلى "شراء النتائج"، وعندها فقط سيظهر الأثر الحقيقي للقطاع غير الربحي في حسابات الناتج، وفي أعين المستثمرين، وفي حياة المستفيدين، وهذا ما يطمح إليه الجميع، أن نرى تحوّل القيمة الاجتماعية إلى قيمة اقتصادية مُضاعِفة تُقاس وتُدار وتُموَّل على أسس حديثة.
تعليقات
إرسال تعليق