"2026" .. كيف يدخل القطاع الثالث مرحلة إعادة هندسة الاقتصاد السعودي؟"
"2026" .. كيف يدخل القطاع الثالث مرحلة إعادة هندسة الاقتصاد السعودي؟"
د. عبد الله بن علي آل دربه
منصة X: @a_aldurbah
يشهد الاقتصاد السعودي تحوّلًا تاريخيًا يعيد صياغة
منطق النمو نفسه، ليس فقط عبر ضخ استثمارات ضخمة أو إعادة هيكلة القطاعات الحيوية،
بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، وتحديدًا من خلال إدماج القطاع
الثالث غير الربحي في معادلة النمو الوطني بوصفه قطاعًا اقتصاديًا كاملًا لا يقل
أهمية عن القطاعين الحكومي والخاص، وهذا التحول، الذي يمر غالبًا بصمت بعيدًا عن
الجلبة الإعلامية، يمثل أحد أكثر التحولات عمقًا في مسار الرؤية الاقتصادية
للمملكة، لأنه يلامس جوهر توزيع القيمة في المجتمع ويعيد رسم حدود المسؤوليات بين
الدولة والفرد والمؤسسات.
فلسنوات طويلة، ظل القطاع غير الربحي محصورًا في
أنشطة موسمية أو مبادرات خيرية تتسم بالاستجابة اللحظية، لكنّ السياق الاقتصادي
الجديد الذي تتبناه المملكة يذهب نحو تحويل هذا القطاع إلى "قطاع مولّد
للقيمة"، قادر على التأثير في الناتج المحلي، وتخفيف التكاليف الحكومية،
وتوجيه الاستثمار الاجتماعي نحو مسارات ذات أثر اقتصادي مباشر، وليس المقصود هنا
تحويل القطاع غير الربحي إلى قطاع ربحي، بل تحريره من حدود التقليدية ومنحه أدوات
اقتصادية تجعله قادرًا على ممارسة دور تنموي متماسك، يستند إلى الحوكمة والبيانات
والقدرة على التخطيط بعيد المدى.
أتصور أن هذا التحول لم ينشأ من فراغ، بل جاء نتيجة
إدراك عميق بأن الدولة الحديثة لا يمكنها أن تكون لاعبًا منفردًا في مواجهة تحديات
النمو، خصوصًا عندما تتداخل قضايا الإنتاجية والحياة الحضرية والابتكار والتعليم
والصحة والعمل التطوعي في شبكة واحدة تتطلب منظومة وطنية متعددة الأدوار، وهنا
يبرز القطاع الثالث باعتباره المحور الذي يستطيع أن يربط بين تنافسية الاقتصاد من
جهة، وتحسين جودة الحياة من جهة أخرى، دون أن يثقل الميزانية العامة للدولة أو أن
يزاحم القطاع الخاص في مساحاته الطبيعية. بل إنه – في صياغته الجديدة – يصبح
مكملًا لكليهما، ووسيطًا ذكيًا بين الموارد الوطنية والاحتياجات المجتمعية.
إن الرؤية الاقتصادية للمرحلة المقبلة من التنمية
السعودية تتجه نحو اقتصاد قائم على "التأثير"، لا على الحجم أو الاتساع،
وهذا المفهوم، الذي بدأ يثبت حضوره عالميًا، يقوم على فكرة أن النمو الحقيقي لا
يتحقق بقياس الإنفاق بل بقياس أثره، وأن
نجاح أي قطاع، بما في ذلك القطاع غير الربحي، مرهون بقدرته على الإنتاجية وليس
بقدرته على الصرف، وفي هذا السياق، يصبح القطاع غير الربحي جزءًا من مخرجات
اقتصادية واضحة في التعليم والصحة والحد من البطالة وتعزيز رأس المال الاجتماعي،
وهي مؤشرات باتت جزءًا من منظومة تقييم أداء الدول المتقدمة.
كما أن التحولات الاقتصادية الكبرى التي تخوضها
السعودية – خصوصًا في التقنية الحيوية والسياحة والطاقة المتجددة ونماذج المدن
الذكية – تفرض نمطًا جديدًا من الشراكات التي تتجاوز المنطق الثنائي بين الدولة
والقطاع الخاص، لتصل إلى شراكات ثلاثية تتطلب قطاعًا غير ربحي يمتلك القدرة على
التكيّف والابتكار، لا قطاعًا يعتمد على المنح التقليدية أو على مبادرات ذات أثر
محدود، وبهذا يصبح القطاع غير الربحي
عنصرًا رئيسيًا في بناء استدامة اقتصادية طويلة المدى، لأنه يغطي المساحات التي لا
يستطيع القطاع الربحي تغطيتها، ويكمل الوظائف التي لا يمكن للدولة أن تؤديها وحدها
بكفاءة.
وإذا كان الاقتصاد السعودي يدخل حقبة ما بعد 2026 بمنطق
يقوم على التمكين بدل الرعاية، فإن القطاع الثالث يجب أن يكون في قلب هذه المرحلة،
لأنه الجسر الطبيعي الذي يربط المواطن بالاقتصاد الوطني دون أن يكون وسيطًا
بيروقراطيًا، بل بوصفه شريكًا يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والتنمية، ومن هنا
تتولد الحاجة إلى نماذج جديدة للإدارة والتمويل والحوكمة داخل هذا القطاع، تتسق مع
منهجيات الاقتصاد الحديث، وتُخضع العمل المجتمعي إلى أدوات القياس، وتربطه بسلاسل
قيمة جديدة، وتدفعه إلى الاستثمار في الحلول المستدامة بدل الأنشطة التقليدية.
والمفارقة أن هذا التحول لا يجعل القطاع غير الربحي
أقل روحانية أو أقل إنسانية، بل على العكس؛ يعيد إليه جوهره الأصيل، لأنه يمنحه
قدرة على التغيير المنظم طويل الأجل، فالقطاع الذي يملك بيانات واضحة، ويستند إلى
تخطيط علمي، ويمارس التخصّص، ويقيس أثر كل مشروع، يصبح قادرًا على التأثير في
السياسات العامة، واتجاهات الاقتصاد وجودة الخدمات، دون أن يفقد قيمته الأخلاقية
أو رسالته المجتمعية.
وفي ضوء هذه التحولات، نستطيع القول إن الدور
الجديد للقطاع الثالث في السعودية سيتجاوز المشاركة إلى القيادة، وسيتحول من قطاع
يُنظر إليه باعتباره طرفًا مساعدًا في التنمية إلى قطاع يمتلك أدوات اقتصادية
مستقلة تجعله لاعبًا رئيسيًا في خلق الوظائف، وتعزيز رأس المال البشري، وتقليل
تكاليف الدولة، وتحسين تنافسية المدن، ورفع جودة الحياة، والمساهمة في بناء منظومة
معرفية وطنية حول سلوك المجتمع واحتياجاته.
وهكذا، يبرز القطاع الثالث بوصفه أحد أعمدة العقد
الاقتصادي القادم في المملكة، ليس بوصفه قطاعًا أهليًا، بل بوصفه قطاعًا تنمويًا
قادرًا على إنتاج القيمة وعلى قيادة التحول الاجتماعي، وعلى بناء جسور مع الاقتصاد
الجديد.
تعليقات
إرسال تعليق