هل نحن بحاجة إلى الابتكار الاجتماعي في الحج؟
في كل موسم حج، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل اكتفينا بالخدمة أم تجاوزناها إلى تطوير الخدمة؟، وهل أصبحنا نُدير منظومة خدمات الشعيرة المُقدسة بروح العصر، أم ما زلنا نُعاني تكرار الجهود؟، وفي قلب هذه الأسئلة يبرز مفهوم "الابتكار الاجتماعي" بوصفه بوابة ضرورية لإعادة هندسة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وتحويل الجمعيات الأهلية من فاعلين تقليديين إلى شركاء في التنمية ذات الأثر المستدام.
إن إعلان المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي عن إطلاق النسخة الثانية من جائزة التميز في خدمة ضيوف الرحمن، بالشراكة مع وزارة الحج والعمرة وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، هو تحوّل إستراتيجي ي يستحق التوقف؛ ليس بوصفه حدثًا دعائيًا، بل كأداة لقياس مدى نضج القطاع الأهلي في المملكة العربية السعودية، وقدرته على ممارسة أدواره التنموية وفق معايير الابتكار، والتأثير، والاستدامة، بما ينسجم مع رؤية السعودية 2030 ومستهدفاتها الطموحة في هذا القطاع.
الابتكار الاجتماعي ضرورة تشغيلية
هناك من يُدرج الابتكار الاجتماعي التنموي، في مسار "التوجه التجميلي في الخطاب المؤسسي"، وهذا غير دقيق إطلاقا، فهو ضرورة تشغيلية في بيئة معقدة مثل الحج المصنفة ضمن قائمة "الحشود الضخمة" عالميًا؛ لأنها تجمع ملايين البشر من كافة أقطار المعمورة في فترة زمنية وجيزة ومساحة جُغرافية محدودة جدًا، ما يعني أن أي مبادرة لا تُنتج حلولًا ذكية ومستدامة – تقنيًا وميدانيًا – ستكون على نحو صريح، تكرار للمبادرات سابقة.
وفي نُسك الحج عظيم، يعني مفهوم "الابتكار الاجتماعي" إعادة التفكير في كيفية تقديم الخدمة، وشكلها، ومستواها، ومن يستفيد منها، وكيف نقيس أثرها؟، وهو يُحيل بذلك الجمعيات إلى معادلة إنتاج قيمة حقيقية، لا توزيع خدمات موسمية فحسب، وعليه، فإن السؤال الذي سنجيب عن تفاصيله، هو: لماذا تستحق "جائزة التميز في خدمة ضيوف الرحمن" هذا الاهتمام الخاص؟، وهو ما سنتطرق إليه في السياق التالي.
لماذا تستحق الجائزة اهتمامًا خاصًا؟
في مشهد يتسم بالتحول من العمل الأهلي التقليدي إلى نموذج الاقتصاد المجتمعي القائم على الكفاءة والأثر، تأتي هذه الجائزة، كأداة إستراتيجية تتجاوز مفهوم "التكريم الرمزي"، إلى كونها "رافعة فكرية وتنظيمية" تُعيد تشكيل علاقة الجمعيات الأهلية بمفاهيم الابتكار، والحوكمة، والتميز المؤسسي، ومن الأسباب الموضوعية المؤدية لهذا الاهتمام، نذكر الآتي:
أولًا | الابتكار والاستدامة كقيمة مؤسسية
تمثل الجائزة منصة عملية لتجذير ثقافة الابتكار الاجتماعي في القطاع غير الربحي، كمنهج لإعادة تصميم الخدمات، وتحسين تجربة المستفيدين، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، فالجمعيات الأهلية التي تتنافس على الجائزة، تحفز على إعادة التفكير في جدوى مبادراتها، واستكشاف حلول جديدة أكثر فاعلية واستدامة، ما ينعكس على بناء كوادر أكثر تأهيلاً، وتوظيف الموارد بذكاء أكبر، وربط المبادرات بأهداف واضحة قابلة للقياس.
ثانيًا | تحوّل العلاقة من تمويل إلى شراكة
بإطلاق الجائزة من قبل المركز، وبشراكة استراتيجية مع وزارة الحج والعمرة، يتبلور نموذج فعّال من الحوكمة التشاركية، والاعتراف بالقطاع الثالث غير الربحي، شريكًا حقيقيًا في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية، وهي تُرسّخ بهذا التحول، من خلال معايير صارمة تُبنى على الأداء والنتائج، لا على التاريخ المؤسسي.
ثالثًا | معيارية التقييم ورفع مستوى المنافسة
أحد أهم أبعاد الجائزة، رفع سقف المنافسة داخل القطاع، فالتقييم لا يعتمد على "نية المبادرة" أو "عدد السنوات"، بل على:
جودة التنفيذ، ومدى احترافية تطبيق المبادرة ومدى ملاءمتها لاحتياجات ضيوف الرحمن.
عدد المستفيدين، ومدى تأثير المبادرة على الفئة المستهدفة.
كمّ ونوع وجودة مشاركة المتطوعين كأحد مؤشرات التكامل المجتمعي.
مدى تفرّد الحلول المقدمة، ومدى قابليتها للتكرار أو التوسع.
الوعي المجتمعي بالمبادرة، وحجم الانتشار والمصداقية من خلال توسّع إطار التغطية الإعلامية.
فنيًا، تقوم لجنة الجائزة باعتماد نظام تقييم دقيق يتوزع على نسب مئوية تصل إلى 100%، ما يمنح مصداقية عالية لنتائجها، ويحوّلها إلى "شهادة جودة وطنية" ذات تأثير مباشر على تمويل الجمعيات، وجاذبيتها للشراكات، وصورتها المؤسسية في أذهان المجتمع، لذا، فإن الجائزة بوابة لتحوّل الجمعيات من منطق الخدمة إلى منطق القيمة، ولعل هذا ما يجعل المشاركة فيها فرصة مؤسسية إستراتيجية تُعزز من جاهزية الجمعيات لدور أكبر في تنفيذ مستهدفات الرؤية، خاصة في محور خدمة ضيوف الرحمن الذي يُعد من أولويات الدولة، ومن أرقى صور العمل غير الربحي عالميًا.
الابتكار كمدخل للتميز في مسارات الجائزة
عند تأمل هيكل جائزة التميز في خدمة ضيوف الرحمن، نجد أنها تتفرع إلى اثني عشر مسارًا تنفيذيًا تغطي مختلف أوجه الخدمة التي يمكن أن تقدمها الجمعيات الأهلية لحجاج بيت الله الحرام، ومنها: الخدمات الصحية العامة، و التوجيه والإرشاء المكاني، ورعاية المسنين والمرضى، إضافة إلى خدمات رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، والمحافظة على البيئة، و حفظ النعمة، والحرص على سلامة ونظافة المرافق العامة وتحسينها، وخدمات التوجيه الديني، والخدمات السياحية، وتسهيل النقل والسلامة، وخدمات الإغاثة والطوارئ، وبناء منظمات وسيطة تخدم الجمعيات في كيفية تقديم الخدمات لضيوف الرحمن.
ورغم تنوع مسارات الجائزة، إلا أن ثمة قاسمًا مشتركًا أعلى بينها جميعًا، يتمثل في "الابتكار الاجتماعي"، باعتباره أداة جوهرية لإعادة تطوير عمليات الجمعيات الأهلية، وتعظيم أثرها التنموي، ماذا يعني ذلك؟، يعني أن زمن المبادرات الموسمية التي تُبنى على الاجتهاد فقط، تحل محلها اليوم نماذج تُصمم فيها الخدمات على أساس علمي، باستخدام أدوات إدارة المشاريع، والتفكير التصميمي Design Thinking، وربط المدخلات بالنتائج، والنتائج بالأثر المجتمعي طويل المدى، ونصل هنا إلى نتيجة حتمية، وهي ظهور الابتكار في مستويات مُتعددة في كل مسار من مسارات الجائزة.
بُعد محوري يجب لفت الانتباه إليه، يرتبط بالصيغة التخصصية والمهنية العالية للجائزة، ومن خلالها، تُقدِّم للجمعيات فرصة لتجديد رسالتها المؤسسية، وإعادة ضبط بوصلتها من العمل التنفيذي اليومي إلى العمل التنموي المستدام، كما أن المنافسة على الجائزة، تتجاوز "الفوز الرمزي" – رغم أهميته-، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، ويبرز ذلك في المُحددات الآتية:
- إدارة القياس للنضج المؤسسي
- منصة لتحفيز الفرق الداخلية
- نافذة للشراكات الجديدة
- مؤشراً لثقة المجتمع والجهات
فعليًا، القطاع غير الربحي الوطني بحاجة إلى أن يتعامل مع الابتكار بوصفه "سلوكًا مؤسسيًا" و"نظام تشغيل" بالدرجة الأولى، والجائزة بما تحمله من معايير صارمة وشفافة، يمكنها أن تُشكّل أساسَا معرفيًا وتطبيقيًا، إذا ما استثمرت الجمعيات المشاركة فيها كأداة لبناء نماذج عمل متجددة، وأداة حوكمة ناعمة، تعزز من تطبيق ممارسات الجودة والشفافية، وبناء مؤشرات أداء دقيقة، توجّه المشاريع نحو احتياجات الحجاج الحقيقية، فضلًا عن مُساعدتها في تحفيز التمويل من القطاع الخاص الذي يبحث عن الأثر الملموس
نُشيد باحترافية المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، في تنظيم الجائزة، خاصة في تقديم دليل واضح وشروط دقيقة للمشاركة، وربطه بمعايير الحوكمة التي تُعد اليوم من أبرز أدوات التقييم المؤسسي، ومن أبرز نقاط التميز في النسخة الثانية: ربط المشاركة بنسب حوكمة لا تقل عن 80%، واشتراط خطة عمل شاملة للمبادرة، والمشاركة للجهة الواحدة في أكثر مسار.
لماذا على الجمعيات التقديم في مسارات الجائزة؟
كل جمعية أهلية لديها تجربة أو فكرة أو خدمة قدمتها لضيوف الرحمن من حجاج بيت الله الحرام، أقترح عليها التقديم على الجائزة، واختيار المسارات التي تتوافق مع مبادراتها من خلال الرابط (https://2u.pw/biTqwNi)، والاستفادة من الكتيب المدرج في موقع المركز، الذي يتضمن تفصيلًا معلوماتيًا، سيُساعد الراغبون على استيعاب شروط المشاركة وحيثياتها.
أتصور بعد السياقات السابقة، أهمية إعادة طرح سؤال العنوان من جديد: (هل نحن بحاجة إلى الابتكار الاجتماعي في الحج؟).. الجواب: نعم، وبقوة، بل لا أُبالغ إن ذكرت، أن مستقبل جودة الخدمات، ورضا الحجاج، وكفاءة الجمعيات الأهلية، كُلها مرهونة بمدى قدرتنا على استيعاب الابتكار كنهج، وما هذه الجائزة إلا أحد الأدوات النوعية لإعادة تعريف الخدمة، بما يجعل الجمعيات شركاء في الأثر، لا منفذين للعمل الأهلي الموسمي.
تعليقات
إرسال تعليق