القطاع الثالث بلغة الاقتصاد.. لماذا نحتاج إلى قادة يفكرون بالأثر؟
القطاع الثالث بلغة
الاقتصاد.. لماذا نحتاج إلى قادة يفكرون بالأثر؟
د.
عبد الله بن علي آل دربه
@a_aldurbah
منذ
أكثر من عقدين، وأنا أتنقل بين مسارات العمل التنموي في القطاع غير الربحي، من المشاريع
الميدانية إلى المبادرات التطويرية، في بيئات متباينة من حيث الاحتياج والإمكانات،
وأزعم أن هذه الخبرة التراكمية – بفضل الله- صارت بوابة لفهم أعمق لطبيعة التحول
الذي يشهده القطاع في ظل رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف دوره كشريك تنموي
واقتصادي أصيل.
مع
التطورات المنهجية في القطاع، لم يعد عمل الجمعيات محصورًا في تقديم الدعم أو
تنفيذ المبادرات الإنسانية الموسمية، وذلك بفضل التحول الإستراتيجي الذي تجاوز
الإعانة والرعاية، إلى مفاهيم مثل الأثر، والتمكين، والاستثمار المجتمعي طويل
الأمد، وهذا في تقديري، أعظم ما تشهده هذه المنظومة، الأمر الذي يتطلب تغييرًا
شاملًا في طريقة التفكير، والإدارة، والمساءلة.
لعقود
طويلة، ارتبطت صورة القطاع غير الربحي بالرعاية الاجتماعية، والإغاثة، والخدمة
المجتمعية المباشرة، وكانت تُقاس الجمعيات بعدد السلال الغذائية التي توزّع، أو
عدد الأسر التي تتلقى دعمًا ماليًا، إلا أن هذه المؤشرات لم تُعد كافية، وبات على
قادة القطاع وضع هذه الأسئلة في حسبانهم، وهي: ماذا تغيّر في حياة المستفيد؟، هل
ارتفعت جودة حياته؟ هل حصل على فرصة عمل؟ هل أصبح قادرًا على الاستقلال المالي
والاجتماعي؟، طبيعة هذه التساؤلات تعني، التحول إلى التمكين، ومن دعم الحاجة إلى
تحرير القدرات الإنسانية.
واحدة
من أبرز التغيرات التي يشهدها القطاع في المملكة، هو إدخال منطق الاقتصاد إلى عمق
العمل المجتمعي؛ لأننا نتحدث اليوم عن مفاهيم، مثل: العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI)
الذي
يُقاس فيه الأثر الاجتماعي العائد مقابل كل ريال يُنفق، والتمويل المستدام، الذي
لا يعتمد على المانحين فقط، بل يربط التبرع بالشراكة والمسؤولية والشفافية، ضف إلى
ذلك اقتصاد الأثر الذي يتعامل مع العمل التنموي كجزء من
المنظومة الاقتصادية للدولة؛ لأن هذه الأدوات لم تُعد حِكرًا على المنظمات الدولية،
بل ضرورة لكل مؤسسة أهلية، تطمح أن تكون ذات فاعلية وتأثير ومصداقية أمام الجهات
المانحة والشركاء.
ما نفخر به في المملكة، مع اقتراب تنفيذ
المرحلة الثالثة من الرؤية (2026-2030)، تجاوز القطاع غير الربحي في المملكة ولأول مرة في تاريخه سقف 100 مليار
ريال في المساهمة الاقتصادية (3,3% من الناتج المحلي الإجمالي) في عام 2024، والوصول إلى 1.2 مليون متطوع، بزيادة بلغت 48,3%، ليحقق
أحد مستهدفاته الواردة في وثيقة الرؤية قبل سنوات من تحقيقها، لكنّ ما هو أهم من
الأرقام، فلسفة التحول نفسها؛ إذ تُشجّع الحكومة اليوم ممثلة في المركز الوطني
لتنمية القطاع غير الربحي، على بناء شراكات عابرة للقطاعات (عام - خاص - غير
ربحي)، والدفع نحو الحوكمة والشفافية والاستدامة، بل أصبح من الشائع الآن، رؤية جمعيات أهلية توقّع شراكات بـعشرات الملايين مع
كيانات خاصة أو صناديق حكومية، وعليه، فقد أضحت مُطالبة ببناء مؤشرات قياس أثر، وتقديم تقارير دورية
مبنية على نتائج قابلة للقياس، لا على الانطباعات العامة.
عالميًا،
هناك تحوّل كبير نحو ما يُسمّى بـ "الاستثمار الاجتماعي"، بتمويل
المشاريع المجتمعية كفرص تنموية لها عائد طويل المدى، لأن المجتمعات لم تعد تعتمد
فقط على التبرعات، بل على نماذج أعمال اجتماعية (Social Business Models) تدمج بين الأثر
والاستدامة، وكذلك، أصبح قادة القطاع غير الربحي في العالم يتجهون إلى استخدام
البيانات والتقنية لتعزيز الشفافية وتحسين الخدمات، وهذا ما نراه في المملكة اليوم
من خلال منصات – إحسان نموذجًا- جمعت بين التقنية والمصداقية في تقديم تجربة تبرع
استثنائية.
إن
الحديث عن التحول في القطاع غير الربحي لا يكتمل دون الحديث عن قيادته التنفيذية،
إذ أن الجمعيات بحاجة اليوم إلى قائد تنموي يفهم لغة الاقتصاد، ويجيد إدارة
العلاقات، ويقيس الأثر، ويقود فريقًا نحو التمكين لا نحو الاستهلاك، ويتطلب منهم
أيضًا بناء سردية جديدة عن القطاع، وتقديمه كصوت مؤثر في التنمية الوطنية، والخروج
من الإطار الضيق للعمل الميداني، إلى الفضاءات الأوسع التي تربط القطاع بالرؤية، والسياسات
العامة، وبالمشهد الاقتصادي.
بإيجاز،
القطاع غير الربحي في المملكة أمام فرصة تاريخية، ليكون إحدى محركات التنمية
المستدامة، شريطة أن نُعيد تعريف رسالته، ونربطه بالأثر، ونقوده بعقول تنموية، والإيمان
بأن العمل التنموي غير الربحي، لا يقل شأنًا عن أي استثمار اقتصادي، بل قد يفوقه
في الأثر، وقد آن الأوان لنفكر بطريقة ومعايير جديدة؛ لأن القطاع الثالث مستقبل
اقتصادي واجتماعي متجدد.
تعليقات
إرسال تعليق